الجمعة، 30 مايو 2008

وقفة مع التدوين

وسط جو من الغموض والإرتباك وبعض النوايا السيئة حول التدوين في الإنترنت، من المفيد أن نذكر بين الحين والحين بجهود يقوم بها مخلصون. إذ لا اختلاف حول أهمية الوجه الثقافي - الحضاري في تغيير الصورة السيئة، وهذا أفضل ما نملكه، بل هو أفضل من تجميع المال والنفط.
ولاشك في أن التدوين قد أصبح ينافس الإعلام التقليدي، وفي الأحداث الآنية له أهمية. ويحتاج التعامل فيه ومعه الى فهم له وإجادة أسلوب مختلف. وقد وعى كل هذا وأجاد تنفيذه كل مدوّن له إهتمام كبير بالكلمة الجادة. ورغم فارق الإمكانيات العلمية والثقافية وحتى التقنية بين المدونين إلا أنهم يحققون نفس الهدف.
مثلا في الشهور التي انصرمت من هذا العام، بدأ التدوين العربي تجربة جيدة هي تقديمه لحصيلة السنوات السابقة من التدوين في قالب ذاتي وكل بلغته وأسلوبه الخاص، ونجحت في هذه التجربة العديد من المدونات التي بدأت تتحدث عن التجارب التدوينية الشخصية طبعاً، وحتى الآن لاقت اقبالا غير عادي من المتلقي القارئ، لأنها تخاطبه بلغته وتفتح له عالماً جديداً عليه.
وهناك جانب آخر ذو أسلوب خاص، وقد قدم عليه العديد من المدونين العرب، من منطلق التوجيه، وبالتالي برزت على سطح الساحة التدوينية مدونات ذات وزن ثقيل.
إن المُدوّن عندما يبادر بالتعليق على موضوع أو حدث، ويقيم نقاشا تحت نفس الموضوع يدعو إليها المتلقي القارئ، فإننا ندرك على الفور، أنه أدرك الطريق الصحيح والفعّال.
والعمل في التدوين الإلكتروني ليس للتدوين فقط، وإنما أيضا لوزن التدوين العربي وبخاصة للدول الناطقة بالعربية، ونفس الشيء يقال عن عدد من المجتمعات المؤثرة في العالم. والتي نرجو أن تبزغ فيها ثقافة التدوين الإلكتروني النشط والفعّال.
اننا نكتب هذا لنذكر فقط، وقبل ذلك لنحض باقي مجتمعات التدوين العربية بالخصوص على اليقظة، والعمل.

الجمعة، 23 مايو 2008

فهمت

منذ سنوات فرضت على العراق عقوبات إقتصادية وحصار، بحجة الإستمرار في تصنيع أسلحة الدمار الشامل. السنوات مرّت والعقوبات كانت لاتزال موجودة لكن الضغوطات مستمرة، ولم نر أي تأثير أنذاك. كل ما فعله العراق هو الحفاظ على مصالح شعبه ونظامه، لم يفعل أي شيء إطلاقاً لرفع الحظر الدولي، بل على العكس قد يكون أحد العوامل التي ساعدت على استمراره وتطوره فيما بعد.
ثم جاء الهجوم الأمريكي وقام باحتلال بغداد ونصف الأراضي العراقية بل أكثر، والجيش العراقي واقف موقف المتفرج إلا قليل من الوطنيين والغيوريين، وكأنه غير معني بما يجري، وقد رأيناها أنذاك في التلفزيون كيف كان الجيش العراقي الذي تم تسريحه في وقت سابق يمر من أمام الدبابات الأمريكية والعلم الأمريكي يرفرف (مناظر لاننساها ماحيينا)، وأنا متأكد من أنه لو أن جيشا عربيا كان قد دخل العراق وليس الجيش الأمريكي لكان النظام العراقي قد أعلن الحرب فوراً ودون تأخير إنطلاقا من مبادئه المعروفة علناً وحفاظا على وحدة أراضي العراق من ناحية أخرى، أما الجيش الأمريكي فإنه، كما يعتقدون، لايهدد وحدة وسيادة العراق، وإنما سيأتي لهم بالحرية !
وكنت أتسائل عن سبب بقاء قوات الإحتلال الأمريكية والبريطانية في العراق بعد الحرب الرسمية وما الذي فعلته ؟ والآن وبعدما ساعد العالم على إشعال الفتنة بين الإخوة العراقيين فهمت سبب بقاء هذه القوات..
إنه بكل بساطة لإشعال الفتنة ونهب خيرات العراق وخاصة النفط (الذي تحدثنا آخر أخباره بأنه يواصل إرتفاعه ومن المحتمل أن يسجل في النصف الثاني من هذه السنة 2008 أكثر من 141$ سعر البرميل الواحد) وكذلك ترك العراق يتخبط في دماء شعبه الى أقصى حد.

الجمعة، 16 مايو 2008

الخارجون على القانون

المقهى في تلك الساعة بعد الظهيرة مزدحم برواده... سكونه بديع لايعكر صفوه إلا ضحكات عريضة منبعثة من بعض الطلبة الجامعيين (الذين يرتادون هذا المقهى في أوقات فراغهم بحكم قربه من جامعتهم)، وتصفيق الزبائن عند تأخر وصول مشروب.
جلست مع صديقي في ركن بعيد عن العيون، كنا نراقب ما يدور حولنا في صمت وهدوء.. لفت نظرنا حركة غير عادية بالشارع أمامنا، ومجموعة من الشباب يتدفقون على المقهى وقد بلغ بهم الهلع والخوف حداً مضنياً.
سمع الجميع أصوات أشياء تنكسر، أناس تركض في جميع الإتجاهات، وتصرخ بشكل رهيب للغاية.. وفجأة صاح أحد الشباب الذين تواجدوا فجأة في المقهى.
- قوات الأمن تهاجمنا.. توجهوا داخل المقهى، انصرفوا الى أي مكان للإختباء. أو للهروب.
ورأيته يقوم بإغلاق أبواب المقهى.. ولم يتمم كلامه حتى وجدنا أنفسنا محاصرون من جميع الجهات كأننا في ميدان قتال.. لأن جميع من كان في المقهى اختار الهرب.. مال صديقي على أذني وحدثني بصوت خفيض.
- النوايا الأمنية ليس لها حل سوى ((الضرب))! وبالتالي لنفكر في خطة للهروب.
* أي هروب وماذا فعلنا ؟!
- كما تعلم فالمقهى على مقربة من الجامعة، وفي علمي أنه ستقام اليوم مظاهرة طلابية في الحرم الجامعي وحتى خارجه. ولهذا السبب تواجدت قوات الأمن، ومن المفيد أن نبحث عن ممرّ نخرج منه قبل أن تقع المواجهات والإصطدامات بين الأمن والطلبة !
وخلال رحلة الخروج من الحصار الأمني وقعت المواجهات حقاً. وفي ((بطولة)) جوفاء خالية من النبل ومن أي إحساس إنساني رفعت قوات الأمن هراواتها أمام المواطنين، وراحوا يضربون ويطاردون !
وكان بعض طلاب هذه الجامعة يواجهون الطرف الآخر مواجهات شديدة الأهمية، ومن هنا كانوا هدفا للضرب خلال مسيرتهم العارمة، حيث وقعت الصدامات بينهم وبين قوات الأمن. بشجاعة يحسدون عليها ! لم أسمح لنفسي أن أكون متفرجا، ولذا فإني أشارك بقلمي من الموقع الذي شعرت أنه الأقرب الى الحق.
لست اعرف بالضبط سبب المواجهات ولا مطالب هؤلاء المتظاهرين، لذلك فإني لا أرى جيداً الأهداف، وهناك تداخل شديد في الأشكال والألوان لكثرة الفرقاء، حتى ليبدو لي الجميع فريقا واحداً، ومعذرة إذا كنت أصارحكم بأنني لا أجد الديمقراطية أو العدل من بين هذه الغايات، المتظاهرون يرفعون شعارات متقاربة ربما بلهجات متعددة، ولكن الظاهر شيء والباطن فيما أعتقد شيء آخر. لكن تروعني سياسة الضرب كثيراً)). قال صديقي غاضبا : لكن المظاهرات بدون سياسة تقنين رغم شرعيتها سيفتح الأبواب على مصراعيها للعنف الإجتماعي.
أخشى، أيها الصديق العزيز أن لا تكون قوات الأمن قد تجاوزت حدودها بين الماء واليابسة. وهي أغلى من أن يفقد المواطن الثقة فيها.
أتمنى في أي حال أن تعامل هذه القوة كجهاز أمني للدولة، الجميع على قدم المساواة، فالثقة المتبادلة تكون ببناء الدولة الوطنية التي يتساوى أمامها جميع المواطنين في كرامة وحرية دون اخلال أو قهر. ولن يكون ذلك إلا حين ينطوي الجميع تحت لواء الشرعية فيسيطر القانون والدستور على الجميع دون تفرقة ودون ابتزاز وقمع أحد الأطراف.
في هذه الحال لن يستطيع جهاز الأمن ولا المواطنين أن يتجاوزوا حدودهم ولا أن يطرقوا باب الخروج على القانون.

الجمعة، 9 مايو 2008

التدوين العربي

في الأعوام الأخيرة بدأ الإهتمام واضحا بعالم التدوين العربي.. وهذا الإهتمام له مبرراته بالتأكيد.. فعالم التدوين قد فرض نفسه من خلال الموضوعات الحساسة التي طرقها ومن خلال الأساليب التي وظفها - الى جانب كل هذا ففي العالم العربي شعوب تناضل من أجل الحرية والرفاه الإجتماعي الى جانب النضال الذي يخوضه بعض المدونين من أجل تحريك مشاعر المسلمين ضد اليهود لتحرير الأرض الفلسطينية ومنع الظلم الواقع على المسلمين الفلسطينيين، وغيرهم !
ونجاح هذا التدوين والتصاقه ((بالعالميّة)) يكمن أيضا في أنه تدوين يمتلك ملامح إنسانية.. تعبر عن معاناة مجتمعاتنا العربية.
وقد اهتم العرب بالتدوين منذ زمن قريب (كان من المفروض الإهتمام به قبل هذا الزمن)، فقام عدد من المثقفين بإنشاء مواقع لهم، شهدت بعد ذلك متابعة واسعة أدى الى ظهور هذا العدد الهائل من المدونات اليوم..
ويأتي ظهور المدونات على كثرتها حسب رأيي كضرورة ملحة وذلك لأهميتها وقيمتها ولثِقَل المواضيع التي تطرحها - والتصاقها بالواقع الإجتماعي والإقتصادي للمنطقة العربية المعاشة بشكل أو بآخر، فالمُدوّن العربي عندما يهتم بواقعه لايكون هذا الإهتمام ناتجا عن ((عقدة)) كما يسميها البعض.
بل ان ذلك ينبع من أهمية وجدية واقعه.. اضافة الى الهموم المشتركة التي تربطنا.
فالمسألة هنا ليست بمسألة ((انبهار)) ولا مسألة ((عقدة)) بقدر ما هو نقل للواقع ولكنه نقل من نوع خاص.. ان التدوين يعبر شئنا أم أبينا عن جزء كبير من همومنا وطموحاتنا وفي خصوصية بارزة... ومن هنا تأتي مسألة مهمة وهي التفاعل الذي يخلقه مجتمع التدوين وطريقة التعامل معه ضمن منهج قويم صحيح.
ومسألة الإستلاب هنا غير واردة أيضا لأن التدوين العربي كما ذكرت، تدوين يعبر بصدق عن واقع متشابه لواقعنا العربي.. ، وهو تدوين مناضل من أجل قضايا خاصة وعامة.. ذاتية وموضوعية.. نناضل نحن كمدونين من أجل تحقيقها وخاصة في المجال الوقائعي.. إذن ليست هناك ((عقدة)) ولاحالة استلاب ولاقضية ((محاكاة)) تجاه مجتمع تدوين معين... بل المسألة المطروحة هي كيف نتعامل مع التدوين وكيف نستفيد منه.. وكيف نوظف بعضاً من أدواته التقنية لصالحنا... كل ذلك مع الإلتزام الكامل بتراثنا وواقعنا المعاش وطموحاتنا المستقبلية...

الخميس، 24 أبريل 2008

غزة : تُرمى عن قوس واحدة

تتعرض غزة، اليوم، لهجوم صهيوني شرس، يهدف الى تقويض معقل الوجود الإسلامي في فلسطين.
ويتسم هذا الهجوم بالوحشية والرغبة في الثأر من هذه المدينة الفلسطينية التي سمحت لنفسها أن تتحدى الغول الصهيوني الذي يهدد بالتهام المنطقة، حماية لإسرائيل في نهاية المطاف.
ذنوب غزة في نظر أعدائها كثيرة، فقد رفعت راية الإسلام، في وسط يحمل رايات أخرى. وهي التي احتضنت الوجود الفلسطيني منذ الزمن الأول.
محاولة حصار غزة والقضاء على الوجود الإسلامي فيها لايمكن أن نفصله عن القضاء على الوجود الفلسطيني ومطاردته، أو على الأقل تدجينه وتطويعه، فلقد كان هذا دعما لذلك. وتدمير غزة في نهاية المطاف لا ينفصل عن المخطط المرسوم للمنطقة لتتحول الى مدن هزيلة تؤمّن الحماية لإسرائيل. إنه إذن استمرار للإحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ عام 1948م. وذو صلة بالسيطرة الصهيونية. وإذا لم يكن هذا صحيحا فما معنى أن تقول إسرائيل، اليوم، أن حصار غزة لن يتوقف ما دام الإرهاب موجوداً فيها وسنستمر في تقويضه وتأصيله ؟ وكما يعلم الجميع فالحصار حوّل غزة الفلسطينية الى كثل من اللهب ومع ذلك تريد إسرائيل من هذا الشعب ألا يتحدها أو يقاومها وإلا اتهمته بالإرهاب ! هل يمكننا أن نقول أن مقاومة الإحتلال تعتبر إرهابا؟ ومن هو الإرهابي في الأصل هل الإحتلال أو الشعب المحتل؟
ثم هل نستطيع فصل هذه المجزرة عن مؤامرة إنهاء الوجود الإسلامي في المنطقة؟؟
ونفتش في الصحف العربية عن تعليق لما يجري في غزة، فلا نعثر على شيء. الإعلام العربي يسرد أخبار غزة وكأنها في أقاصي الدنيا، غزة رميت عن قوس واحدة، لم تنفعها كل العهود والمواثيق التي وقعت ذات يوم ! فقد كان ذلك أمراً مؤقتاً، وغزة تعلم ذلك، فالظروف كانت تقضي بتأجيل المجزرة، حتى تحين الفرصة. ومع ذلك فالصمت العربي والإسلامي فضيحة صارخة. والخطر لن يقتصر على غزة، فكما أن المؤامرة لم تبدأ بها فهي لن تتوقف عندها.

الجمعة، 18 أبريل 2008

رحلة الحرف

ان الإهتمام الذي يبديه المدونون وهم في السنوات الأولى من تدوينهم لهو اهتمام جدير بالتنويه والتشجيع ويدعو للتفاؤل.
والمهم أن يستمر هذا الإهتمام وينمو ويتعمق لا أن يكون مجرد حماس مؤقت !
والمهم أيضا أن يواصل الُمدوّن اهتمامه بمدونته فالكثيرون ينسون أنفسهم (...)
- ونحن نعلم ان رحلة الحرف والكلمة مضنية لا يساوي ألم معاناتها إلا فرح الإصرار على مواصلتها دون مقابل..
فلنأمل لمدوناتنا الشابة اخضرارا دائما ومتناميا، ولنتعهدها بالري والرعاية.

الجمعة، 11 أبريل 2008

تجربة مع شبكة عالمية

فترة طويلة من صور شبابي لم أبتعد خلالها عن هذه الشبكة العنكبوتية... انها تلك السنوات السّمان التي فصلت بين دراستي الثانوية، ثم تكويني العالي في احدى الكليات الجامعية.
داخل أسوارها فرضت علىّ القيود، فتنتظم ساعات النهار في تحديد صارم بين المحاضرات والحصص التوجيهية ثم حصص استذكار ذاتية، فأقبل على الكتب والمراجع المتعلقة بتخصصي ولا أتعداها..
الى أن قادتني اهتماماتي الى ((الإنترنت))، استحوذت على وقتي الفارغ، على لبّي، تفيض بثراء مذهل فأجد جميع ما يمت الى الوجدان البشري بصلة، من سياسة وإقتصاد وأدب وفن وفكر وعقائد... أبحر الى عالم أكثر من واقعي وأنتقل عبر الزمن، بل وأتعرف أيضا على آخر المستجدات العالمية في شتى المجالت وقبل وصولها الى الآخرين خارجها، إنها ظاهرة وثيقة الصلة بالمجتمعات البشرية...
إلا أن السلوك البشري للإنسان الفرد كان أبرز ما أثار اهتماماتي فيها، ولا غروا ! فقد كنت أتلمس التفسيرات لما كان يعتري سلوكي الشخصي من تصدع بين أهداف تتوه بي الى خيالات التمني، وبين مسالك من واقع واضح الأبعاد، إلا أن النفس عازفة عن التسلح بهمة، فتقتحم الطريق اليها.
ثم إن سلوك الفرد كان حجر الأساس الذي قامت عليه الإنترنت... المنطق الذي مهد لها أن تتهيأ بتطبيقاتها التقنية لإحتواء مجالات الإنجاز البشري جميعا.
لذا فإن التشعبات الخوارزمية للإنترنت - وهو مفهوم عند أهل التقنية المعلوماتية - لتحتوي على النوازع البشرية جميعا، في تركيز أيّما تركيز... ولكن مع اختلافات جوهرية من حيث التركيب، وإن كانت هذ النوازع في أغلبها لا تخرج عن نطاق العمل الإقتصادي أو ما يُصطلح عليه {التجارة الإلكترونية}، وهذا بطبيعة الحال متناقض مع ثقافة العرب المعلوماتية التي لازالت تعتبر الإنترنت مجرد مقهى للدردشة وساع للبريد، وهنا يجب علينا اسقاط هذه الفكرة بتغيير أو تبديل، وأن نتمسك بمفهومها الأصلي في توفير المعلومات والآراء والخبرات.. !
بهرتني الإنترنت، فأتلمس قراءة كل ما يمت اليها بصلة... قريبة كانت أم بعيدة، وتتردد في قراءاتي لها وعنها الإشارة مرة بعد أخرى الى السلبية والإيجابية فيها... قيل إن كان المستخدم أو المبحر الذي يحركها في ضوء من تفاعلاته، وتصويراً حياً لضميره الذي اختار أن يشارك فيها من بعد... ويستشف معالمها وهي ببعد، انه يحاول أن يحدد لها أبعادا، كما هي - الإنترنت - تفعل بالتحقق والمسح والتمييز وغيرها من التفاعلات ترجع في الأصل الى المستخدم نفسه أو فريق عمل، فتكون الإنترنت بهذا التفسير صروح من نظريات وحقائق ملموسة في فراغ.
وربما يتبادر الى الذهن - في ضوء ما أقول - أن الخامة غزيرة الثراء التي بثت بها الينا الإنترنت في صفحاتها المثيرة، هي التي دفعت المستخدم الى تحديد معالم النظريات والحقائق الملموسة التي أصبحت تنسب اليها...
ولكن ما أبعد ذلك عن الحقيقة !
على النقيض من كلامنا ! تطل علينا الإنترنت بنظرياتها من علياء ثقافة فكرية شامخة، فتثقل السطور بفيض من تعليقات، وكأنها تسعى الى اغراقنا في خضم من تيارات المعرفة جميعا.
في حين ظل المستخدم حريصا كل الحرص على ألا يستحضر من ذخائر الفكر - رغم ما عُرف عنه من سعة اطلاع - ما هو حريّ بأن يدعم به تفاعلاته... مكتفيا بأن يتناول الحالة تلوى الأخرى أو لنقل صفحة وأخرى، فيبدأ إبحاره باهتماماته الأولى - فيسجل ملاحظاته عنها في أسلوب رشيق دقيق، إن كان ملتزما كل الإلتزام بصرامة تقصٍ سعيا الى تعليل..
ورويداً، بعد عناء ما بعده عناء، فإنا نراه يتحول.. فيرقى الدرج من الخاص الى العام، أي من الإستفادة الى الإفادة بنشره للمعلومات والآراء والخبرات على الشبكة نفسها، إذ يتبين له من خلال ما يعتمل في خصوصية وجدّ أن الفرد من مشاعر وأحاسيس، انها انما روافد من تيارات وجدانية هي من صميم الحياة البشرية جمعاء، فكأنما الإنترنت مرآة عاكسة لها.
الإنترنت هي الرائدة التي تحدد، بصرامة المستخدم الصالح الجاد، المعالم البيّنة للنوازع البشرية... ما كانت تقنياتها بيّنة على أهل المعرفة، إلا أنهم تناولوها، كل من منطقه الخاص، تشخيصا لأغراض المصالح العامة وليس غوصا الى أغراض ذاتية، أما المستخدم العادي فقد أقبل عليها وكأنها طعام غدائي، يزيد الإحساس بالجوع.
ومثله في ذلك المستخدم السلبي... انجذب الى تصوير نزعاته، فإذا معلوماته وآراءه وخبراته تغوص، دون أن يكون قد سعى، الى أغوار المآسي المتربصة بالمصير البشري جميعا...
تناولي للموضوع باستنتاجات فرضية الى نظريات محدد - بتحليل - يقرر أن {الإنترنت} هي أروع ما قد سطر الإنسان في تاريخه !
لكأنها الدعوة الملحة فأقتحم عالمه ذلك السحري، ولكني أتهيب الإقدام... حسبي قراءاتي التقليدية، فإنها بحر زاخر، ولن يتسع بي الوقت فأستوعب ما أعتقد أنه يجب علي أن أفعل... ثم حسبي تلك الكتب والمراجع التي أتحول إليها، ترويحا للنفس بعد عناء، حفلت بكل اهتماماتي وأفكاري...
ثم حسبي الشبكة العالمية للمعلومات - الإنترنت، وتلك المؤلفات التي تتناول تقنياتها بعرض أو تحليل... ومن خلالها طبعاً... ما أكاد أقع على جديد إلا وسارعت اليه، فأطرح كتبي التقليدية ومراجع اختصاصي، وكأنها كمّ مُهمَل... فإذا ما فرغت عدت إليها، يقضني ضميري وأنا أرى دراساتي تخلفت عما كنت قررت لها من برامج محدد بمواقيت.
ثم ان شبكة الإنترنت تلك الخالدة - كما قيل - تطل علي من حاسوبي أو هاتفي الذي أطوف به أينما تواجدت، فتهولني ضخامتها... بحسب تقديرات مجلة (ذي إيكونوميست)، وصل حجم محتوى شبكة الإنترنت من النصوص والمواد المرئية والمسموعة وغيرها أكثر من 256 تيرا بايت (تيرا بايت = مليار جيجا بايت).. ! فما شأني بمشاكل إفتراضية وهمية.. تقلبت حياة أناس انتموا لعائلة اخترع لها كاتب اسما - الإنترنت - لا شك أنه من صنع الخيال.
لم يكن يعنيني وقتئد من مساحات الإنترنت الشاسعة إلا حقيقة الحقائق... وأعني بها المعلومات والآراء والخبرات !
ويخيل الى أن قد نجحت في التغلب على تلك النزعة التي كاد يقودني اليها انبهاري بالإنترنت.
ولكني كنت أمر بمرحلة اجتذبت خلالها الى الإمساك بالقلم، فتنشر لي عبر الشبكة مقالات من دفتر التدوين، وعن المال والأعمال، ثم أخرى عن فن المحادثة وفن التصوير وبعض الخدمات الفردية المجانية، فيعرض علي فجأة صديق خبير معلوماتي، وكان معنيا بمشروع ضخم ربحي ما كان يسميه ((بالأد سنس)) بأن أهتم بالمشاريع الربحية الإلكترونية، على غرار اهتمامي بما أسميته : ((المعلومات والآراء والخبرات)) !
محاولة لم يكتب لها أن تتم، بل ما كدت أخطو نحوها بخطوات حتى تراجعت، فإنها - الإنترنت - من البحور الفياضة باحداث... صحيح أني أطرحتها جانبا حين تراجعت، ولكني كنت أقبلت عليها حين أزعمت ! فكيف سمحت لنفسي... بينما تملكني تخادل عن كتبي ومراجعي التقليدية، وقد قيل عن هذا ما قيل !
ورغم ذلك فإني أتهيب الإقدام... يركبني التردد... أحجم ثم تراودني نواخسي من همة، ولكني أعود فارجئ بعد اعتزام.
وفي مكتبي من المكان الذي تعودت أن أتردد إليه، تمتد أصابعي فجاة فتضغط على الملمس، نقرات معتادة، ويتم الإتصال.. الإتصال بالإنترنت، لكني أضم إليها كتبي ومراجعي المجاورة للحاسوب الثابت هي الأخرى... ((وأنا أردد : الإنترنت وسيلة حضارية تنطلق من عالم الفكر والمال)). وكانت تجربة.. وأي تجربة !