‏إظهار الرسائل ذات التسميات من تجربتي الشخصية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من تجربتي الشخصية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 11 أبريل 2008

تجربة مع شبكة عالمية

فترة طويلة من صور شبابي لم أبتعد خلالها عن هذه الشبكة العنكبوتية... انها تلك السنوات السّمان التي فصلت بين دراستي الثانوية، ثم تكويني العالي في احدى الكليات الجامعية.
داخل أسوارها فرضت علىّ القيود، فتنتظم ساعات النهار في تحديد صارم بين المحاضرات والحصص التوجيهية ثم حصص استذكار ذاتية، فأقبل على الكتب والمراجع المتعلقة بتخصصي ولا أتعداها..
الى أن قادتني اهتماماتي الى ((الإنترنت))، استحوذت على وقتي الفارغ، على لبّي، تفيض بثراء مذهل فأجد جميع ما يمت الى الوجدان البشري بصلة، من سياسة وإقتصاد وأدب وفن وفكر وعقائد... أبحر الى عالم أكثر من واقعي وأنتقل عبر الزمن، بل وأتعرف أيضا على آخر المستجدات العالمية في شتى المجالت وقبل وصولها الى الآخرين خارجها، إنها ظاهرة وثيقة الصلة بالمجتمعات البشرية...
إلا أن السلوك البشري للإنسان الفرد كان أبرز ما أثار اهتماماتي فيها، ولا غروا ! فقد كنت أتلمس التفسيرات لما كان يعتري سلوكي الشخصي من تصدع بين أهداف تتوه بي الى خيالات التمني، وبين مسالك من واقع واضح الأبعاد، إلا أن النفس عازفة عن التسلح بهمة، فتقتحم الطريق اليها.
ثم إن سلوك الفرد كان حجر الأساس الذي قامت عليه الإنترنت... المنطق الذي مهد لها أن تتهيأ بتطبيقاتها التقنية لإحتواء مجالات الإنجاز البشري جميعا.
لذا فإن التشعبات الخوارزمية للإنترنت - وهو مفهوم عند أهل التقنية المعلوماتية - لتحتوي على النوازع البشرية جميعا، في تركيز أيّما تركيز... ولكن مع اختلافات جوهرية من حيث التركيب، وإن كانت هذ النوازع في أغلبها لا تخرج عن نطاق العمل الإقتصادي أو ما يُصطلح عليه {التجارة الإلكترونية}، وهذا بطبيعة الحال متناقض مع ثقافة العرب المعلوماتية التي لازالت تعتبر الإنترنت مجرد مقهى للدردشة وساع للبريد، وهنا يجب علينا اسقاط هذه الفكرة بتغيير أو تبديل، وأن نتمسك بمفهومها الأصلي في توفير المعلومات والآراء والخبرات.. !
بهرتني الإنترنت، فأتلمس قراءة كل ما يمت اليها بصلة... قريبة كانت أم بعيدة، وتتردد في قراءاتي لها وعنها الإشارة مرة بعد أخرى الى السلبية والإيجابية فيها... قيل إن كان المستخدم أو المبحر الذي يحركها في ضوء من تفاعلاته، وتصويراً حياً لضميره الذي اختار أن يشارك فيها من بعد... ويستشف معالمها وهي ببعد، انه يحاول أن يحدد لها أبعادا، كما هي - الإنترنت - تفعل بالتحقق والمسح والتمييز وغيرها من التفاعلات ترجع في الأصل الى المستخدم نفسه أو فريق عمل، فتكون الإنترنت بهذا التفسير صروح من نظريات وحقائق ملموسة في فراغ.
وربما يتبادر الى الذهن - في ضوء ما أقول - أن الخامة غزيرة الثراء التي بثت بها الينا الإنترنت في صفحاتها المثيرة، هي التي دفعت المستخدم الى تحديد معالم النظريات والحقائق الملموسة التي أصبحت تنسب اليها...
ولكن ما أبعد ذلك عن الحقيقة !
على النقيض من كلامنا ! تطل علينا الإنترنت بنظرياتها من علياء ثقافة فكرية شامخة، فتثقل السطور بفيض من تعليقات، وكأنها تسعى الى اغراقنا في خضم من تيارات المعرفة جميعا.
في حين ظل المستخدم حريصا كل الحرص على ألا يستحضر من ذخائر الفكر - رغم ما عُرف عنه من سعة اطلاع - ما هو حريّ بأن يدعم به تفاعلاته... مكتفيا بأن يتناول الحالة تلوى الأخرى أو لنقل صفحة وأخرى، فيبدأ إبحاره باهتماماته الأولى - فيسجل ملاحظاته عنها في أسلوب رشيق دقيق، إن كان ملتزما كل الإلتزام بصرامة تقصٍ سعيا الى تعليل..
ورويداً، بعد عناء ما بعده عناء، فإنا نراه يتحول.. فيرقى الدرج من الخاص الى العام، أي من الإستفادة الى الإفادة بنشره للمعلومات والآراء والخبرات على الشبكة نفسها، إذ يتبين له من خلال ما يعتمل في خصوصية وجدّ أن الفرد من مشاعر وأحاسيس، انها انما روافد من تيارات وجدانية هي من صميم الحياة البشرية جمعاء، فكأنما الإنترنت مرآة عاكسة لها.
الإنترنت هي الرائدة التي تحدد، بصرامة المستخدم الصالح الجاد، المعالم البيّنة للنوازع البشرية... ما كانت تقنياتها بيّنة على أهل المعرفة، إلا أنهم تناولوها، كل من منطقه الخاص، تشخيصا لأغراض المصالح العامة وليس غوصا الى أغراض ذاتية، أما المستخدم العادي فقد أقبل عليها وكأنها طعام غدائي، يزيد الإحساس بالجوع.
ومثله في ذلك المستخدم السلبي... انجذب الى تصوير نزعاته، فإذا معلوماته وآراءه وخبراته تغوص، دون أن يكون قد سعى، الى أغوار المآسي المتربصة بالمصير البشري جميعا...
تناولي للموضوع باستنتاجات فرضية الى نظريات محدد - بتحليل - يقرر أن {الإنترنت} هي أروع ما قد سطر الإنسان في تاريخه !
لكأنها الدعوة الملحة فأقتحم عالمه ذلك السحري، ولكني أتهيب الإقدام... حسبي قراءاتي التقليدية، فإنها بحر زاخر، ولن يتسع بي الوقت فأستوعب ما أعتقد أنه يجب علي أن أفعل... ثم حسبي تلك الكتب والمراجع التي أتحول إليها، ترويحا للنفس بعد عناء، حفلت بكل اهتماماتي وأفكاري...
ثم حسبي الشبكة العالمية للمعلومات - الإنترنت، وتلك المؤلفات التي تتناول تقنياتها بعرض أو تحليل... ومن خلالها طبعاً... ما أكاد أقع على جديد إلا وسارعت اليه، فأطرح كتبي التقليدية ومراجع اختصاصي، وكأنها كمّ مُهمَل... فإذا ما فرغت عدت إليها، يقضني ضميري وأنا أرى دراساتي تخلفت عما كنت قررت لها من برامج محدد بمواقيت.
ثم ان شبكة الإنترنت تلك الخالدة - كما قيل - تطل علي من حاسوبي أو هاتفي الذي أطوف به أينما تواجدت، فتهولني ضخامتها... بحسب تقديرات مجلة (ذي إيكونوميست)، وصل حجم محتوى شبكة الإنترنت من النصوص والمواد المرئية والمسموعة وغيرها أكثر من 256 تيرا بايت (تيرا بايت = مليار جيجا بايت).. ! فما شأني بمشاكل إفتراضية وهمية.. تقلبت حياة أناس انتموا لعائلة اخترع لها كاتب اسما - الإنترنت - لا شك أنه من صنع الخيال.
لم يكن يعنيني وقتئد من مساحات الإنترنت الشاسعة إلا حقيقة الحقائق... وأعني بها المعلومات والآراء والخبرات !
ويخيل الى أن قد نجحت في التغلب على تلك النزعة التي كاد يقودني اليها انبهاري بالإنترنت.
ولكني كنت أمر بمرحلة اجتذبت خلالها الى الإمساك بالقلم، فتنشر لي عبر الشبكة مقالات من دفتر التدوين، وعن المال والأعمال، ثم أخرى عن فن المحادثة وفن التصوير وبعض الخدمات الفردية المجانية، فيعرض علي فجأة صديق خبير معلوماتي، وكان معنيا بمشروع ضخم ربحي ما كان يسميه ((بالأد سنس)) بأن أهتم بالمشاريع الربحية الإلكترونية، على غرار اهتمامي بما أسميته : ((المعلومات والآراء والخبرات)) !
محاولة لم يكتب لها أن تتم، بل ما كدت أخطو نحوها بخطوات حتى تراجعت، فإنها - الإنترنت - من البحور الفياضة باحداث... صحيح أني أطرحتها جانبا حين تراجعت، ولكني كنت أقبلت عليها حين أزعمت ! فكيف سمحت لنفسي... بينما تملكني تخادل عن كتبي ومراجعي التقليدية، وقد قيل عن هذا ما قيل !
ورغم ذلك فإني أتهيب الإقدام... يركبني التردد... أحجم ثم تراودني نواخسي من همة، ولكني أعود فارجئ بعد اعتزام.
وفي مكتبي من المكان الذي تعودت أن أتردد إليه، تمتد أصابعي فجاة فتضغط على الملمس، نقرات معتادة، ويتم الإتصال.. الإتصال بالإنترنت، لكني أضم إليها كتبي ومراجعي المجاورة للحاسوب الثابت هي الأخرى... ((وأنا أردد : الإنترنت وسيلة حضارية تنطلق من عالم الفكر والمال)). وكانت تجربة.. وأي تجربة !

الجمعة، 12 أكتوبر 2007

يا للصًّيْفْ الجميل في الصحراء

هأنذا ادخلنا وسط صحراء قاحلة..
بل تماديت اكثر وفتحت باب شقتي داعيا عاصفة رملية صغيرة للدخول..
ولم ترفض الدعوة.. انها عاصفة رملية مهذبة..
لست حالما.. انما هي الحقيقة.
ولو سمع المصون أبي ما اقوله لاضطر ان يرميني خارج البيت.. ففي سهول الجنوب - حيث كان يعيش أبي - يكون مسكن الرمال الصحراوية سقف السماء. بإحمرارها المثير. أما أنا فأقف على ساحة منبسطة.. إذن، ما الذي يمنعني من دعوة العاصفة الى الدخول في بيتي ؟
لنرقص على الرمال..
قبل ان ابدأ الرحلة الى الصحراء في موسم الصيف والحر الشديد ينبغي ان استغني عن ملابسي المدنية وارتدي ملابس المغامرين ولااذكر انني تسلقت تلا في حياتي، فسهول الجنوب تركض نحو الأفق دون ان يعوقها شيء..
بيد انني الآن منطلق للتعرف عن المنطقة الصحراوية ومنعطفاتها الجبلية. ومن مكان الى آخر كنت اطمئن النفس بمغامرات موعودة تجلب لي السعادة دون أدنى شك.. ثم بدأنا بالدوران على المنعطفات.. كان هذا ايذانا بتسلقنا جبلا. وفي القمة تكشف الفضاء عن سلاسل جبلية بعيدة غاصت قممها في السحاب.
ولم نتوقف..
كان المطر قد سقط قبل وصولنا بيوم ومازالت بقاياه تحتل جوانب الطريق..
وعند العصر هاجمتنا عاصفة هوجاء..
وهكذا دعوت العاصفة الصغيرة المهذبة...
والجنوب في الصيف متقلب الفصول فالحرّ مرّة، والهواء المنعش أخرى.
وهو مايدفعك للرقص على الرمال ليلا.
ونتسائل لماذا لا تكون لنا سياحة صيفية صحراوية؟
ويأتي الجواب..
- هناك سياحة صيفية الى الصحراء.. وسياحة ناجحة ومازلنا في بداية الصيف..
ومع ذلك فهذه السياحة تحتاج الى دعاية وترويج.
الصيف الجميل..
ان احدا لن يقول كيف يمكن لي أن أتصرف كسائح في مدينة حضرية؟.. لكنني اتساءل ماذا افعل في الصحراء؟ هذا السؤال ليس غريبا.. بل ينبغي ان يطرح ففي المنعطفات تطرق العواصف باب شقتي باستمرار.. والهواء الحار يمر فوق انفي بدون تحية.. وهذا كله يسير معي في الطريق..
وثمة اعتراض: يها الفتى هذا جو شاعري..

واقول: يا ساداتي ماتقولونه حق.. ولكن هذا الجو الشاعري سيجعلني اخنق ومن ثم اغضب..
ويأتي الجواب:
- لا أحد يختنق.. ولا احد يغضب.
* ولكنني تحدثت عن الصيف في الصحراء؟
- وفي الصحراء ايضا.. فخلال هذا الصيف ارتفعت الحركة الرواجية للسكن والمطعم.. وهذا يحدث لأول مرة.. فماذا يحدث في المواسم المقبلة إذا ما تحركت الدعاية والترويج؟
وهمس احدهم: لا تنسى ان هناك حافلات لمصلحة نقل الركاب تعمل في الطرق الرئيسية.
ان ماقيل لي لحد الأن لم يقنعني انني لن اعاني من الحر الشديد.. فأنا مازلت امتلك دماغا يعمل بشكل جيد بحيث لن أتورط بالذهاب الى المنعطفات والسفوح الجبلية..
وثمة اعتراض آخر: يا فتى هذا ما يجب ان يحدث.. نحن لم نعش على تقلب الفصول في يوم واحد وهكذا ينبغي ان نستغل موسم وجودها لنتمتع بهذا الصيف الصحراوي الجميل.
هذه فكرة جميلة.. آن الأوان لنا أن ننطلق على الجبال.. آن الأوان لنا أن نسير على الرمال الذهبية.. ما معنى ان نغلق الأبواب من حولنا ونستخدم اجهزة التكييف؟
تعال وترى..
في فجر اليوم الثاني اطلقت الى أعلى منعطف.. كان الكثير من السحاب قد مرّ بي تاركا قطرات من الماء على ملابسي الصيفية.. وعلى القمة كانت السماء المكتظة بالمياه المتبخرة تبدو قريبة من انفي.. وتحت قدمي كانت الرمال الذهبية تفوح بالحر.. ومن القمة كنت ارى السحب تختفي أو يتغير لونها لينهمر ماء المطر في الوادي العميق تحتي..
اية طبيعة ساحرة هذه؟ كنت اعلم ان خلفي (مدينتي) تقوم الشقق السياحية وملاعب الأطفال والمطاعم والمسابح والفنادق والسينما....
لكن هنا كل شيء مجرد..
يا لجمالك يا ارض بلادي.. كانت أشعة الشمس تبدو شاحبة ومنطلقة الى اعماق السماء من خلف سلسلة الجبال البعيد..
وتساءلت: لماذا لا نصيّف في الصحراء؟
هذا السؤال حصلت على جوابه حين قال محدثي: لقد بدأ هذا النمط من السياحة..
واجريت تخفيضات في الأسعار بما في ذلك السكن.
* متى يبدأ الموسم الصيفي؟
- يبدأ من نصف يونيو وينتهي بنهاية يوليوز من كل عام.
ومع الشمس التي طاردت فلول الغيوم التي التجأت الى اعالي السماء وسلاسل الجبال البعيدة كنت اتسلق القمم الصغيرة المبعثرة.. كان الهواء قد فقد الكثير من حرّه..
وقال لي احدهم: هل ترى ذلك المكان؟
انها ثلاثة خيام ستفتح هذا العام.
وشعرت بحرارة داخلية تزداد بشدة.
المدن السياحية..
نحن على ابواب الشتاء.. والشتاء في الصحراء شتاء ناضج مكتمل الصفات وليس مماثلا لشتاء الشمال.. فهنا في الجنوب الصحراوي تمر عليك الغيوم من كل نوع.. غيوم سوداء السحنة واخرى بيضاء ناصعة وهناك الثلوج.. وهناك الريح الرخية واخرى عصبية المزاج كالعواصف الرملية في الصيف.. وعلى السفوح تنام الثلوج متلألئة تحت الشمس الحانية..
هنا يخفق القلب امام الطبيعة التي تستبدل ثيابها في كل لحظة.. وحين يسقط المطر ينقلب المكان الى عناق بين الأرض والسماء.. كما هي اللحظة الصيفية حين ينقلب المكان عواصفا رملية تكسوها الحمرة..
وهأنذا اجلس على صخرة تطل على الوادي الصغير الذي يفصل القمة اليمنى عن القمة اليسرى..
كان خرير المياه يمر في شق صغير على سطح الوادي هادئا ودون صوت.. وهي مزية الصيف في الصحراء.. قال محدثي:
في الربيع يتحول هذا المجرور الصغير الى نهر دافق..
وادفع بنظري الى الأعلى.. يا للسماء المتوهجة بالضياء.. اي صيف هذا الذي تعيشه صحارينا وجبالنا العظيمة..
يظل الجو هو سيد الموجودات.. وضعت يديّ في جيوب سروالي وانطلقت في الطريق الذي يرتفع الى السماء.. كانت الشمس قد انزلقت وراء سلاسل الجبال في الجهة الأخرى وبدأت السماء صافية الزرقة..
ان القلب يهفو كثيرا في هذا الجو الجميل..
ويا للصيف الرائع في الصحراء.

الجمعة، 2 مارس 2007

مقهى الدموع

لي صديق حزين دائما وأبدا.
ويبدو لي أن في دواخله اليأس التام.
يكفي أن تطل عليه في الصباح وتقول له: "تحية طيبة ... ما الأخبار؟ " حتى يبدأ بقراءة نشرة أخبار العالم: "فلان إنتحر في أمريكا، زلزال في الصين، وإغتيال في العراق، الإنفلونزا في السعودية، غلاء في المغرب، إنقلاب في لبنان... " وتصم أذنيك عما تبقى، حتى يهدأ ويلتقط أنفاسه. فإذا إلتقطها سألك: "ماذا تحب أن تشرب؟ " فإذا قلت له ((قهوة))، قال لك: "وكيف تحبها؟ حزن زيادة ... أم كآبة قليلة؟ ".
وتوشك أن تضحك وأنت تتوهم أنه ينكت، لكنه لايدع لك مجالا للشك، والوهم، إذ سرعان ما يبدأ بسرد نشرة أخبار العالم العربي، وكأن هذا الوضع بات مرتبطا لديه بسواد القهوة، أحدهما يذكر بالآخر.
وهو إذا حدثك عن العرب، فإن عباراته لا تخرج عن نطاق الكلمات التالية: إنحطاط، إنهيار، ذل، هوان، هزيمة، خلاف، شقاق، نفاق...
ولايتوقف حتى يجثم على قلبك جبل من الهموم، وينشر غربان اليأس في سماء أملك، وتكاد الدموع تطفر من مقلتيك، فتسارع إلى مغادرته دون أن تشرب فنجان القهوة، خوفا من البقية الباقية من قدرتك على الفرح.
لكن، وقبل أن تبتعد، يناديك مذكرا: (الحقيقة مؤلمة دائما)، والأخبار دائمة غير سارة. لاتؤلمني الحقيقة، بل يؤلمني أن يكون بيننا من فقد الأمل من مواجهتها.

الجمعة، 9 فبراير 2007

حوار

* الو..
- الو..
* حضرت أمس البارحة لندوة ممتعة، وتمنيت لو أنك تكونين معي..
- مع من ذهبت؟
* مجموعة من الأصدقاء!
- والصديقات!
* ثلاثة فقط! ..
- أظن واحدة تكفي!
* يعني؟
- لتظل تحدثها طوال الندوة !
* يا أختي حرام عليك!..
- حلال أم حرام.. المهم لماذا تذكرتني!
* لأن ماطرح من القضايا والآراء من النوع الذي تحبينه.. فن.. وأدب.. وفلسفة.. وشعر! .
- والسيدات الفاضلات في أي مجال من المجالات هذا كله .
* احداهن اديبة؟.
- والثانية! .
* والثانية شاعرة!.
- والثالثة!؟؟.
* باهرة !..
- باهرة الجمال!
* لا.. باهرة الثقافة؟
- يا سلام .
* مدونة تعيش في المملكة المتحدة !
- وحدها؟
* نعم ..
- ياعيني !.
* ربي يقي عينك! ..
- ولماذا تذكرتني مادامت السيدة المبدعة مدونة باهرة.. و..
* عمرها خمسون عاما!..
- يعني !..
* يعني مايعنيه.. انني لا اتعامل مع الأثار!..
- ليتها تسمعك!!..
* ليتها تسمعني.. لقد بدت لي في العشرين حيوية.. وابتهاج.. وأحلام للمستقبل! ..
- مستقبلها!؟.
* لا.. مستقبلي!
- أنت رجل بلا مستقبل ..
* أنت مستقبلي!
- يا ..
- يا ..

الجمعة، 8 سبتمبر 2006

عبر كاتم الصوت

العالم هادئ، غارق في سواد ليله، لاأحد إذن سيفسد عني السكينة التي إسترخت طائعة لنظام الكون، فلا يسمع خلالها إلا الموسيقى الهادئة.. النجوم أتمت ولاءها للبدر، وضوءها الذي كانت تملأ به الظلام، بدأ يخبو معلنا إنتهاء الحفل، والضباب يحجب إنسحابها مخالطا عظمة هذا الليل....
تأهبت للخروج لممارسة الرياضة كما هي عادتي دائما في الصباح الباكر، هيأت نفسي ولبست حذائي الرياضي، وغادرت البيت بإتجاه الساحة العامة .
تملكني رغبة شديدة في العدو.. فإستمرت أعدو حتى إهتز قلبي بنبضات قوية، وجف ريقي من زفرات متقطعة، جاء الصباح كاشفا عن كل شئ، فبدأت الشمس تنتشر أنوارها ودفئها الجميل وتنشر غسيلها على سطوح المنازل والعمارات بشعاعها الوضاح والبراءة والهدنة الجميلة، هكذا فرضت نفسها على الطبيعة. هذه الطبيعة المتفائلة، التي تري في الحياة وجوها باسمة سعيدة وأخرى حزينة شقية .
فكثير من أسباب الشقاء يرجع إلى الطبع الساخط. الطبع الذي لايري في الحياة إلا مصائبها وأحزانها، الطبع الذي يخلق من السعادة حزنا ومن السرور بكاء، ولتجاوز هذه العقبات لابد من أن تجدد نظرك للحياة. ببدء حياة شعارها النجاح والسمو.. حياة جادة، بعيدة عن مغامرات تافهة وأوهام سخيفة وعوامل الطغيان والفساد مقابل حلاوة الحياة التي تأخد من المشاعر الذابلة المساند للوقوف. وهذا واجب كبير وشأن في حياة النشء...
أنثر خطواتي على الرصيف.. لاأعرف إلى أين أمضي.. أسأل قلبي أن يتوقف عن عزفه، فلم أشعر إلا وأنا أصحو من نومي!! ، كنت أعلم أن الإنسان لايهتدي أبدا إلى أحلامه متى أضاعها، لذلك أحسست بأني ربما أخطأت في عدم ممارستي للرياضة وها قد جائني هاتف ينبأني مثل حلم جميل .

الجمعة، 18 أغسطس 2006

والعصر إن بنات مدينتي لفي خسر

تبدو الأرض فسيحة رائعة من هذا المكان وقد تشكل الربيع بشكل جميل إلى أن تناطح مع السحاب. سكون المقهى يغري بفنجان قهوى تذيب روحي بين الجرعات.. وتترك ناظري يتمشى مع الخضرة إلى الأفق... أتطلع إلى الوجوه من حولي، أبحث عن فتاة عن طفل، عن فراشة، .. أبحث عن نظرة، عن إبتسامة، عن كلمة جميلة، .. في الشارع أمامي رجال ونساء ومن كل الأصناف.. مايهمني الآن، أن أشرب قهوتي، وأقرأ رواية بعيدا عن فضول الناس.. وفي غفلة عن السكون، داهم رجل صمت المقهى. فجلس غير بعيد عني مسافة كرسيين، قبل أن تلتحق به بنتان .
صديقتي"ثريا" التي حدتتك عنها، أصرت على أن تأتي معي، فقبلت، لم تستطع المسكينة أن تخلص نفسها من حبائل العزلة.. إيه! قلت إنك ستأتي لها برجل! أنظر بنفسك كم هي جميلة، للإشارة فهي غنية الوجدان، ولا تختزن في قلبها غير الأحاسيس المرهفة، خانها حبيبها الأول، بعد أن إستاق منها أنوثتها، فرحل بعيدا .
لاأستطيع عزيزتي أن آتيها بأي كان ففي كل رجل ثعلبا! .
أخوك مثلا! يبدو ظريفا، وظرافته وحدها تستطيع تدفئة هذا الجسد! أليس كذلك؟
قلت لك أنني لاأستطيع أن آتيها بأحد! فأخي لا يهتم إلا بالبقر من بنات المدينة، فهو يحب اللحم، الشحم، والريق الدسم ..
عدت للرواية والفنجان وتهت.
سأنصرف، قالت، الكل سيغيب عن بيتنا هذه الليلة، لاتنسى أن تأتيني بشهوتك، إركب سطح الجيران أفضل، فالعيون في كل مكان، ستجد عندي في الغرفة الثانية بعد المطبخ كل شيء مشتهى، سأفترش لك نعومتي، وستتوسد طراودة نهدي، لأخلصك بعد قبلة أو قبلتين من الذي قهر النساء .
ضربته جهة الأسفل بعد أن عاينت أن ليست عيون ترصد حركتها. فأخدت يد "ثريا" وإنصرفتا. لحظتئد جائني النادل بفنجان ثان وهمس "والعصر إن بنات مدينتي لفي خسر" . أومأت له بالإيجاب قبل أن ينصرف الرجل بعدهن... الضباب يحاول السيطرة على العالم، وهو يحجب عني الخضرة البعيدة .
الرذيلة والخيانة، تزكم الأنوف في شوارع المدينة.. وبناتها يعرضن ممتلكاتهن بشكل أو بآخر، هذا هو عصر التحرر كما نزعم! فماذا أستطيع ان أفعل؟ مادمت لاحول لي ولاقوة.

الجمعة، 11 أغسطس 2006

حالات التيه

في المساء عبر طريق الرميلة وقفت في منتصف الأوطوبيس رقم 2، مسندا ظهري إلى زجاجة الإغاثة، لأول مرة أكتشف المدينة ليلا.. ذوائب تتراقص.. تقترب لتتقاطع.. فتبتعد لتختفي.. هنا كل شئ شاعري، الجمال في كل ماتقع عليه الأحداق: المعمار.. الطرقات.. الحدائق.. البشر.. حتى القمامة لا تخلو من بهاء! هذه هي المدينة.
إكتشفت الأمكنة، وعشقتها، وإعتدت على إرتيادها في أيام معلومة، إما للمذاكرة أو للإختلاء بالنفس. ما بين باب قشيش وصومعة الكتبية، وقصر الجامعة وطريق المسافات الطوال. وحديقة السلام.. كان الزمن يسرع، وأحس به ينفلت من أصابعي مثل الزئبق!! تتملكني رغبة شديدة في العدو دون توقف، حال من يسابق ظله للتخلص منه!! ها هنا كان اللقاء.. اللقاء مع النغم الأصيل، والهموم الكبرى، وحمى السهر لإقتناء تذكرة تسمح بتناول أكلة سريعة في مقهى .
أعمد أحيانا إلى زيارة مقهى "خمس نجوم"، وأكتفي بالدخول والخروج مقلبا بصري في الزبناء، أختلس النظرات إلى نخبة من الفنانين وطلاب مثلي.
طولها الفارع، وعيناها الزرقاوان، ووجهها المعبر، وشعرها العسلي المنسدل! إبتسمت وتكلمت بالإنجليزية: "عودت عيني على رؤياك"، وإختفت في زحمة الحياة!! شعارها كان: "كن ذكيا وإكتسب".
عون مصلحة بالجامعة قلما يظهر، وإن حدث، رأيته في إحدى الزوايا متأبطا مكنسته في مشي متربص! إرتبط إسمه بقوة بيوم واحد في السنة، موسى يعني يوم الإعلان عن نتائج الإمتحانات الكتابية، إذ تناط به مهمة تعليق بياناتها، ولعل هذا ماأكسبه لقبه الشهير: "موسى دورة يونيو".
لم تمهلني المدينة حتى ألم حقيبتي.. أودعتني الحافلة ذاتها التي جئت على متنها ذات يوم، وعقب وصولي تسلمت رسالة النتيجة الهزيلة لأفكر في عام آخر جديد!! وبين دوار الحافلة والضيق المالي، خامرني شعور غريب مفاده أني تهت... ولكن في مدينتي.

الجمعة، 14 يوليو 2006

واقع الحال

جاء الصباح باردا جميلا، انسحبت من فراشي في هدوء، اتجهت إلى المرحاض، نظرت إلى المرآة بتمعن وكأن الوجه الذي أمامه ليس وجهي. كان غامق السمرة يميل إلى الشحوب خدان بارزان وجبين تظهر عليه علامة اليأس، رغم برودة الصباح، وضعت رأسي تحت الصنبور، وتركت الماء ينسكب عليه، رفعت رأسي مجددا صوب المرآة مازالت عيناي ناعستين، ورأسي ثقيل، دخلت المطبخ ثم فتحت الثلاجة، وأخرجت منها إبريق قهوة المعدة سلفا، ووضعته على الموقد، أخرجت ملابسي من الصوان، وخلعت البيجامة، وارتديت ملابسي في فتور أسرعت إلى الموقد لأنقد ماتبقى في الإبريق من قهوة تناولت فطوري، وخرجت مسرعا.
في مثل هذا الصباح تكون المدينة هادئة، كنت أحس أني أشارك فيها وأني جزء من هذه المدينة، لكني اليوم مشتت الأفكار، وأحس بدوار. دلفت إلى مكان عملي، طلبت كأس ماء وحبة اسبرين، شربتها على الفور، فشعرت بدفء ونشاط شيئا فشيئا، ثم باشرت عملي. لشدة ما أكره معالج النصوص لكن ما يربطني به هو عملي، رحت أعمل بجهد جهيد حتى دمعت عيني من ضوء شاشة الحاسوب، ابتعدت عنها وأنا أحس بدوار. تناولت جريدة متخصصة في مجال الإنترنت. ليتني أهدأ لكن السطور مشتبكة لا أقدر على قراءة شئ، وقفت بغتة كنت أدرك أن شيئا سيحدث، دخلت على مكتب المدير تلعتمت قبل أن يأذن بانصرافي، خرجت لا ألوي على شئ. أحسست بالغثيان فاستنشقت الهواء بتلهف. ثم انطلقت الى بيتي، فخامرني شعور غريب مفاده أن هذا هو واقع الحال.
دخلت البيت. ثم استغرقت في نوم عميق.

الجمعة، 7 يوليو 2006

السطور المنتفضة

تأملات مملوءة بالتوجس، لكن الصمت يلتهمها. أمسكت القلم وكتبت في مفكرتي : "ماذا وقع في هذه المدينة؟ ! اكتسحت المنازل الخضرة، كثرت المقاهي كأنها الفطر، نشطت السمسرة في عقل بني آدم، لا فرح يبشر ولا سرور يبهج، فقط الموسيقى تصمم الأذان... تذكرني بأيام الصبا.
خرجت إلى الشارع أجوب الطرقات، نسيم الريح يميل الأشجار، ويداعب النهود التي في الصدور والأطيار التي في السماء. دنا شاب من فتاة مليحة ،وهمس لها بكلام. بلا تردد أجابته بلغة أجنبية، واندس بين الناس واختفى في الزحام، فقلت حينئد : "أن اللغة من أخطر النعم".
كنت أمشي متثاقلا، يرافقني بيت شعري يقول:
كل شئ له دواء يستطب به ** إلا الحماقة أعيت من يداويها
وجوه مثل القمر وأخرى كالحجر والفرق كبير شبيه بالنور والظلام. أمام محل ساندويش وقفت طفلة وفمها يسيل من اللعاب، أدركها شخص فأشار إليها، فذهبت إليه مسرعة، لا أعرف ماذا كان بينهما. لأن الزحام الكثير جعلني اتجه إلى زقاق يسهل تعداد المارين به. التقيت صديقا لم أره مند سبع سنوات ونيفا. تعانقنا بحرارة وكلانا يلعن هذا الواقع الذي فرق بيننا. آه كم استحضرنا من صديق في هذه اللحظات المعينة لكن كل ما نعرف هو أننا لا نعلم عنهم شيئا أذكر أننا تواعدنا مساء يوم حار من أيام شهر يوليوز في مدينة البهجة. إستقل هو طاكسي صغير، فيما ركبت أنا حافلة الرصيف رقم 2، حافلة تحسب نفسك داخلها في سوق شعبي. فيها بيض وسكر ودجاج وأرانب وخضروات و... مرة قلت مازحا لطالب يجلس بجانبي: خيرات هذه الحافلة تجعلنا لا نبرحها لمدة شهر، فقهقه عاليا، إلا أن رجلا مسنا لم تعجبه قهقهة الشاب فرد عليه بأن الضحك له حدود وأنه... لم يدعه يتمم الحديث فقال له: من حقي أن أضحك وإذا كانت زوجتك تنغص حياتك لأنك تقدمت في السن. فما ذنبي أنا؟ كاد الأمر أن يتطور إلى عراك لولا تدخل بعض الركاب.
مرت سبع سنين دون أن ألتقي بناصر. هزل جسمه وبح صوته رغم أنه في ريعان شبابه، كان يرتدي قميصا وسروال دجينز..
كان يكتب قصائده في الليل وفي الصباح يقرأها على طلبة متميزين ثم يحرقها. وعندما استفسرته مرة عن ذلك قال: إنها تحرقني لحظة الكتابة! طالما دافع عن شعراء عظام مثل: شوقي والبارودي لكن كان يهوى المتنبي كثيرا أما الأسماء الأخرى فيطالبها بالإبتعاد عن الشعر لانه ليس حرفة !.
تابعنا السير جهة الساحة العامة نستحضر الذكريات، الحماقات، السخرية من طلبة كانوا يدمنون الإستمناء، من أساتذة يتهربون من من أسئلة الطلبة !.
جلسنا على كرسي من الكراسي العمومية نشاهد الغادين والرائحين، دخن سجارة ثم قال لي: "أبوح لك أنه عندما كنا صغارا قالوا لنا: ليس التأليف عار لكن العيب كل العيب أن توقض بإيمان شعرك قلوبا قفارا". أسدل الليل ستائره المعتمة، والأضواء المتناثرة توصل بإشعار مدينة ساحرة. قلت لصديقي: لما لاتكتب رواية؟ وقف بغتة ثم قال : سأكتب رواية أحكي فيها محطات عذابي على سطور منتفضة، ولن أضرم فيها النار، بل سأبحث عمن يترجمها إلى الإنجليزية.
عدنا من حيث أتينا واقترحت عليه أن نتناول شيئا، غير أنه اعتذر قائلا: أنا الليلة بدون شهية لدي موعد مع السطور بعد ساعات، أكتب لي عنوانك، سأبعث لك رسالة مستقبلا، أراك قريبا.