الجمعة، 16 مايو 2008

الخارجون على القانون

المقهى في تلك الساعة بعد الظهيرة مزدحم برواده... سكونه بديع لايعكر صفوه إلا ضحكات عريضة منبعثة من بعض الطلبة الجامعيين (الذين يرتادون هذا المقهى في أوقات فراغهم بحكم قربه من جامعتهم)، وتصفيق الزبائن عند تأخر وصول مشروب.
جلست مع صديقي في ركن بعيد عن العيون، كنا نراقب ما يدور حولنا في صمت وهدوء.. لفت نظرنا حركة غير عادية بالشارع أمامنا، ومجموعة من الشباب يتدفقون على المقهى وقد بلغ بهم الهلع والخوف حداً مضنياً.
سمع الجميع أصوات أشياء تنكسر، أناس تركض في جميع الإتجاهات، وتصرخ بشكل رهيب للغاية.. وفجأة صاح أحد الشباب الذين تواجدوا فجأة في المقهى.
- قوات الأمن تهاجمنا.. توجهوا داخل المقهى، انصرفوا الى أي مكان للإختباء. أو للهروب.
ورأيته يقوم بإغلاق أبواب المقهى.. ولم يتمم كلامه حتى وجدنا أنفسنا محاصرون من جميع الجهات كأننا في ميدان قتال.. لأن جميع من كان في المقهى اختار الهرب.. مال صديقي على أذني وحدثني بصوت خفيض.
- النوايا الأمنية ليس لها حل سوى ((الضرب))! وبالتالي لنفكر في خطة للهروب.
* أي هروب وماذا فعلنا ؟!
- كما تعلم فالمقهى على مقربة من الجامعة، وفي علمي أنه ستقام اليوم مظاهرة طلابية في الحرم الجامعي وحتى خارجه. ولهذا السبب تواجدت قوات الأمن، ومن المفيد أن نبحث عن ممرّ نخرج منه قبل أن تقع المواجهات والإصطدامات بين الأمن والطلبة !
وخلال رحلة الخروج من الحصار الأمني وقعت المواجهات حقاً. وفي ((بطولة)) جوفاء خالية من النبل ومن أي إحساس إنساني رفعت قوات الأمن هراواتها أمام المواطنين، وراحوا يضربون ويطاردون !
وكان بعض طلاب هذه الجامعة يواجهون الطرف الآخر مواجهات شديدة الأهمية، ومن هنا كانوا هدفا للضرب خلال مسيرتهم العارمة، حيث وقعت الصدامات بينهم وبين قوات الأمن. بشجاعة يحسدون عليها ! لم أسمح لنفسي أن أكون متفرجا، ولذا فإني أشارك بقلمي من الموقع الذي شعرت أنه الأقرب الى الحق.
لست اعرف بالضبط سبب المواجهات ولا مطالب هؤلاء المتظاهرين، لذلك فإني لا أرى جيداً الأهداف، وهناك تداخل شديد في الأشكال والألوان لكثرة الفرقاء، حتى ليبدو لي الجميع فريقا واحداً، ومعذرة إذا كنت أصارحكم بأنني لا أجد الديمقراطية أو العدل من بين هذه الغايات، المتظاهرون يرفعون شعارات متقاربة ربما بلهجات متعددة، ولكن الظاهر شيء والباطن فيما أعتقد شيء آخر. لكن تروعني سياسة الضرب كثيراً)). قال صديقي غاضبا : لكن المظاهرات بدون سياسة تقنين رغم شرعيتها سيفتح الأبواب على مصراعيها للعنف الإجتماعي.
أخشى، أيها الصديق العزيز أن لا تكون قوات الأمن قد تجاوزت حدودها بين الماء واليابسة. وهي أغلى من أن يفقد المواطن الثقة فيها.
أتمنى في أي حال أن تعامل هذه القوة كجهاز أمني للدولة، الجميع على قدم المساواة، فالثقة المتبادلة تكون ببناء الدولة الوطنية التي يتساوى أمامها جميع المواطنين في كرامة وحرية دون اخلال أو قهر. ولن يكون ذلك إلا حين ينطوي الجميع تحت لواء الشرعية فيسيطر القانون والدستور على الجميع دون تفرقة ودون ابتزاز وقمع أحد الأطراف.
في هذه الحال لن يستطيع جهاز الأمن ولا المواطنين أن يتجاوزوا حدودهم ولا أن يطرقوا باب الخروج على القانون.

الجمعة، 9 مايو 2008

التدوين العربي

في الأعوام الأخيرة بدأ الإهتمام واضحا بعالم التدوين العربي.. وهذا الإهتمام له مبرراته بالتأكيد.. فعالم التدوين قد فرض نفسه من خلال الموضوعات الحساسة التي طرقها ومن خلال الأساليب التي وظفها - الى جانب كل هذا ففي العالم العربي شعوب تناضل من أجل الحرية والرفاه الإجتماعي الى جانب النضال الذي يخوضه بعض المدونين من أجل تحريك مشاعر المسلمين ضد اليهود لتحرير الأرض الفلسطينية ومنع الظلم الواقع على المسلمين الفلسطينيين، وغيرهم !
ونجاح هذا التدوين والتصاقه ((بالعالميّة)) يكمن أيضا في أنه تدوين يمتلك ملامح إنسانية.. تعبر عن معاناة مجتمعاتنا العربية.
وقد اهتم العرب بالتدوين منذ زمن قريب (كان من المفروض الإهتمام به قبل هذا الزمن)، فقام عدد من المثقفين بإنشاء مواقع لهم، شهدت بعد ذلك متابعة واسعة أدى الى ظهور هذا العدد الهائل من المدونات اليوم..
ويأتي ظهور المدونات على كثرتها حسب رأيي كضرورة ملحة وذلك لأهميتها وقيمتها ولثِقَل المواضيع التي تطرحها - والتصاقها بالواقع الإجتماعي والإقتصادي للمنطقة العربية المعاشة بشكل أو بآخر، فالمُدوّن العربي عندما يهتم بواقعه لايكون هذا الإهتمام ناتجا عن ((عقدة)) كما يسميها البعض.
بل ان ذلك ينبع من أهمية وجدية واقعه.. اضافة الى الهموم المشتركة التي تربطنا.
فالمسألة هنا ليست بمسألة ((انبهار)) ولا مسألة ((عقدة)) بقدر ما هو نقل للواقع ولكنه نقل من نوع خاص.. ان التدوين يعبر شئنا أم أبينا عن جزء كبير من همومنا وطموحاتنا وفي خصوصية بارزة... ومن هنا تأتي مسألة مهمة وهي التفاعل الذي يخلقه مجتمع التدوين وطريقة التعامل معه ضمن منهج قويم صحيح.
ومسألة الإستلاب هنا غير واردة أيضا لأن التدوين العربي كما ذكرت، تدوين يعبر بصدق عن واقع متشابه لواقعنا العربي.. ، وهو تدوين مناضل من أجل قضايا خاصة وعامة.. ذاتية وموضوعية.. نناضل نحن كمدونين من أجل تحقيقها وخاصة في المجال الوقائعي.. إذن ليست هناك ((عقدة)) ولاحالة استلاب ولاقضية ((محاكاة)) تجاه مجتمع تدوين معين... بل المسألة المطروحة هي كيف نتعامل مع التدوين وكيف نستفيد منه.. وكيف نوظف بعضاً من أدواته التقنية لصالحنا... كل ذلك مع الإلتزام الكامل بتراثنا وواقعنا المعاش وطموحاتنا المستقبلية...

الخميس، 24 أبريل 2008

غزة : تُرمى عن قوس واحدة

تتعرض غزة، اليوم، لهجوم صهيوني شرس، يهدف الى تقويض معقل الوجود الإسلامي في فلسطين.
ويتسم هذا الهجوم بالوحشية والرغبة في الثأر من هذه المدينة الفلسطينية التي سمحت لنفسها أن تتحدى الغول الصهيوني الذي يهدد بالتهام المنطقة، حماية لإسرائيل في نهاية المطاف.
ذنوب غزة في نظر أعدائها كثيرة، فقد رفعت راية الإسلام، في وسط يحمل رايات أخرى. وهي التي احتضنت الوجود الفلسطيني منذ الزمن الأول.
محاولة حصار غزة والقضاء على الوجود الإسلامي فيها لايمكن أن نفصله عن القضاء على الوجود الفلسطيني ومطاردته، أو على الأقل تدجينه وتطويعه، فلقد كان هذا دعما لذلك. وتدمير غزة في نهاية المطاف لا ينفصل عن المخطط المرسوم للمنطقة لتتحول الى مدن هزيلة تؤمّن الحماية لإسرائيل. إنه إذن استمرار للإحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ عام 1948م. وذو صلة بالسيطرة الصهيونية. وإذا لم يكن هذا صحيحا فما معنى أن تقول إسرائيل، اليوم، أن حصار غزة لن يتوقف ما دام الإرهاب موجوداً فيها وسنستمر في تقويضه وتأصيله ؟ وكما يعلم الجميع فالحصار حوّل غزة الفلسطينية الى كثل من اللهب ومع ذلك تريد إسرائيل من هذا الشعب ألا يتحدها أو يقاومها وإلا اتهمته بالإرهاب ! هل يمكننا أن نقول أن مقاومة الإحتلال تعتبر إرهابا؟ ومن هو الإرهابي في الأصل هل الإحتلال أو الشعب المحتل؟
ثم هل نستطيع فصل هذه المجزرة عن مؤامرة إنهاء الوجود الإسلامي في المنطقة؟؟
ونفتش في الصحف العربية عن تعليق لما يجري في غزة، فلا نعثر على شيء. الإعلام العربي يسرد أخبار غزة وكأنها في أقاصي الدنيا، غزة رميت عن قوس واحدة، لم تنفعها كل العهود والمواثيق التي وقعت ذات يوم ! فقد كان ذلك أمراً مؤقتاً، وغزة تعلم ذلك، فالظروف كانت تقضي بتأجيل المجزرة، حتى تحين الفرصة. ومع ذلك فالصمت العربي والإسلامي فضيحة صارخة. والخطر لن يقتصر على غزة، فكما أن المؤامرة لم تبدأ بها فهي لن تتوقف عندها.

الجمعة، 18 أبريل 2008

رحلة الحرف

ان الإهتمام الذي يبديه المدونون وهم في السنوات الأولى من تدوينهم لهو اهتمام جدير بالتنويه والتشجيع ويدعو للتفاؤل.
والمهم أن يستمر هذا الإهتمام وينمو ويتعمق لا أن يكون مجرد حماس مؤقت !
والمهم أيضا أن يواصل الُمدوّن اهتمامه بمدونته فالكثيرون ينسون أنفسهم (...)
- ونحن نعلم ان رحلة الحرف والكلمة مضنية لا يساوي ألم معاناتها إلا فرح الإصرار على مواصلتها دون مقابل..
فلنأمل لمدوناتنا الشابة اخضرارا دائما ومتناميا، ولنتعهدها بالري والرعاية.

الجمعة، 11 أبريل 2008

تجربة مع شبكة عالمية

فترة طويلة من صور شبابي لم أبتعد خلالها عن هذه الشبكة العنكبوتية... انها تلك السنوات السّمان التي فصلت بين دراستي الثانوية، ثم تكويني العالي في احدى الكليات الجامعية.
داخل أسوارها فرضت علىّ القيود، فتنتظم ساعات النهار في تحديد صارم بين المحاضرات والحصص التوجيهية ثم حصص استذكار ذاتية، فأقبل على الكتب والمراجع المتعلقة بتخصصي ولا أتعداها..
الى أن قادتني اهتماماتي الى ((الإنترنت))، استحوذت على وقتي الفارغ، على لبّي، تفيض بثراء مذهل فأجد جميع ما يمت الى الوجدان البشري بصلة، من سياسة وإقتصاد وأدب وفن وفكر وعقائد... أبحر الى عالم أكثر من واقعي وأنتقل عبر الزمن، بل وأتعرف أيضا على آخر المستجدات العالمية في شتى المجالت وقبل وصولها الى الآخرين خارجها، إنها ظاهرة وثيقة الصلة بالمجتمعات البشرية...
إلا أن السلوك البشري للإنسان الفرد كان أبرز ما أثار اهتماماتي فيها، ولا غروا ! فقد كنت أتلمس التفسيرات لما كان يعتري سلوكي الشخصي من تصدع بين أهداف تتوه بي الى خيالات التمني، وبين مسالك من واقع واضح الأبعاد، إلا أن النفس عازفة عن التسلح بهمة، فتقتحم الطريق اليها.
ثم إن سلوك الفرد كان حجر الأساس الذي قامت عليه الإنترنت... المنطق الذي مهد لها أن تتهيأ بتطبيقاتها التقنية لإحتواء مجالات الإنجاز البشري جميعا.
لذا فإن التشعبات الخوارزمية للإنترنت - وهو مفهوم عند أهل التقنية المعلوماتية - لتحتوي على النوازع البشرية جميعا، في تركيز أيّما تركيز... ولكن مع اختلافات جوهرية من حيث التركيب، وإن كانت هذ النوازع في أغلبها لا تخرج عن نطاق العمل الإقتصادي أو ما يُصطلح عليه {التجارة الإلكترونية}، وهذا بطبيعة الحال متناقض مع ثقافة العرب المعلوماتية التي لازالت تعتبر الإنترنت مجرد مقهى للدردشة وساع للبريد، وهنا يجب علينا اسقاط هذه الفكرة بتغيير أو تبديل، وأن نتمسك بمفهومها الأصلي في توفير المعلومات والآراء والخبرات.. !
بهرتني الإنترنت، فأتلمس قراءة كل ما يمت اليها بصلة... قريبة كانت أم بعيدة، وتتردد في قراءاتي لها وعنها الإشارة مرة بعد أخرى الى السلبية والإيجابية فيها... قيل إن كان المستخدم أو المبحر الذي يحركها في ضوء من تفاعلاته، وتصويراً حياً لضميره الذي اختار أن يشارك فيها من بعد... ويستشف معالمها وهي ببعد، انه يحاول أن يحدد لها أبعادا، كما هي - الإنترنت - تفعل بالتحقق والمسح والتمييز وغيرها من التفاعلات ترجع في الأصل الى المستخدم نفسه أو فريق عمل، فتكون الإنترنت بهذا التفسير صروح من نظريات وحقائق ملموسة في فراغ.
وربما يتبادر الى الذهن - في ضوء ما أقول - أن الخامة غزيرة الثراء التي بثت بها الينا الإنترنت في صفحاتها المثيرة، هي التي دفعت المستخدم الى تحديد معالم النظريات والحقائق الملموسة التي أصبحت تنسب اليها...
ولكن ما أبعد ذلك عن الحقيقة !
على النقيض من كلامنا ! تطل علينا الإنترنت بنظرياتها من علياء ثقافة فكرية شامخة، فتثقل السطور بفيض من تعليقات، وكأنها تسعى الى اغراقنا في خضم من تيارات المعرفة جميعا.
في حين ظل المستخدم حريصا كل الحرص على ألا يستحضر من ذخائر الفكر - رغم ما عُرف عنه من سعة اطلاع - ما هو حريّ بأن يدعم به تفاعلاته... مكتفيا بأن يتناول الحالة تلوى الأخرى أو لنقل صفحة وأخرى، فيبدأ إبحاره باهتماماته الأولى - فيسجل ملاحظاته عنها في أسلوب رشيق دقيق، إن كان ملتزما كل الإلتزام بصرامة تقصٍ سعيا الى تعليل..
ورويداً، بعد عناء ما بعده عناء، فإنا نراه يتحول.. فيرقى الدرج من الخاص الى العام، أي من الإستفادة الى الإفادة بنشره للمعلومات والآراء والخبرات على الشبكة نفسها، إذ يتبين له من خلال ما يعتمل في خصوصية وجدّ أن الفرد من مشاعر وأحاسيس، انها انما روافد من تيارات وجدانية هي من صميم الحياة البشرية جمعاء، فكأنما الإنترنت مرآة عاكسة لها.
الإنترنت هي الرائدة التي تحدد، بصرامة المستخدم الصالح الجاد، المعالم البيّنة للنوازع البشرية... ما كانت تقنياتها بيّنة على أهل المعرفة، إلا أنهم تناولوها، كل من منطقه الخاص، تشخيصا لأغراض المصالح العامة وليس غوصا الى أغراض ذاتية، أما المستخدم العادي فقد أقبل عليها وكأنها طعام غدائي، يزيد الإحساس بالجوع.
ومثله في ذلك المستخدم السلبي... انجذب الى تصوير نزعاته، فإذا معلوماته وآراءه وخبراته تغوص، دون أن يكون قد سعى، الى أغوار المآسي المتربصة بالمصير البشري جميعا...
تناولي للموضوع باستنتاجات فرضية الى نظريات محدد - بتحليل - يقرر أن {الإنترنت} هي أروع ما قد سطر الإنسان في تاريخه !
لكأنها الدعوة الملحة فأقتحم عالمه ذلك السحري، ولكني أتهيب الإقدام... حسبي قراءاتي التقليدية، فإنها بحر زاخر، ولن يتسع بي الوقت فأستوعب ما أعتقد أنه يجب علي أن أفعل... ثم حسبي تلك الكتب والمراجع التي أتحول إليها، ترويحا للنفس بعد عناء، حفلت بكل اهتماماتي وأفكاري...
ثم حسبي الشبكة العالمية للمعلومات - الإنترنت، وتلك المؤلفات التي تتناول تقنياتها بعرض أو تحليل... ومن خلالها طبعاً... ما أكاد أقع على جديد إلا وسارعت اليه، فأطرح كتبي التقليدية ومراجع اختصاصي، وكأنها كمّ مُهمَل... فإذا ما فرغت عدت إليها، يقضني ضميري وأنا أرى دراساتي تخلفت عما كنت قررت لها من برامج محدد بمواقيت.
ثم ان شبكة الإنترنت تلك الخالدة - كما قيل - تطل علي من حاسوبي أو هاتفي الذي أطوف به أينما تواجدت، فتهولني ضخامتها... بحسب تقديرات مجلة (ذي إيكونوميست)، وصل حجم محتوى شبكة الإنترنت من النصوص والمواد المرئية والمسموعة وغيرها أكثر من 256 تيرا بايت (تيرا بايت = مليار جيجا بايت).. ! فما شأني بمشاكل إفتراضية وهمية.. تقلبت حياة أناس انتموا لعائلة اخترع لها كاتب اسما - الإنترنت - لا شك أنه من صنع الخيال.
لم يكن يعنيني وقتئد من مساحات الإنترنت الشاسعة إلا حقيقة الحقائق... وأعني بها المعلومات والآراء والخبرات !
ويخيل الى أن قد نجحت في التغلب على تلك النزعة التي كاد يقودني اليها انبهاري بالإنترنت.
ولكني كنت أمر بمرحلة اجتذبت خلالها الى الإمساك بالقلم، فتنشر لي عبر الشبكة مقالات من دفتر التدوين، وعن المال والأعمال، ثم أخرى عن فن المحادثة وفن التصوير وبعض الخدمات الفردية المجانية، فيعرض علي فجأة صديق خبير معلوماتي، وكان معنيا بمشروع ضخم ربحي ما كان يسميه ((بالأد سنس)) بأن أهتم بالمشاريع الربحية الإلكترونية، على غرار اهتمامي بما أسميته : ((المعلومات والآراء والخبرات)) !
محاولة لم يكتب لها أن تتم، بل ما كدت أخطو نحوها بخطوات حتى تراجعت، فإنها - الإنترنت - من البحور الفياضة باحداث... صحيح أني أطرحتها جانبا حين تراجعت، ولكني كنت أقبلت عليها حين أزعمت ! فكيف سمحت لنفسي... بينما تملكني تخادل عن كتبي ومراجعي التقليدية، وقد قيل عن هذا ما قيل !
ورغم ذلك فإني أتهيب الإقدام... يركبني التردد... أحجم ثم تراودني نواخسي من همة، ولكني أعود فارجئ بعد اعتزام.
وفي مكتبي من المكان الذي تعودت أن أتردد إليه، تمتد أصابعي فجاة فتضغط على الملمس، نقرات معتادة، ويتم الإتصال.. الإتصال بالإنترنت، لكني أضم إليها كتبي ومراجعي المجاورة للحاسوب الثابت هي الأخرى... ((وأنا أردد : الإنترنت وسيلة حضارية تنطلق من عالم الفكر والمال)). وكانت تجربة.. وأي تجربة !

الجمعة، 4 أبريل 2008

التدوين الإلكتروني

قد يستغرب الكثير من القراء للتدوين الإلكتروني من قصر المدونة وتناولها الخاطف للموضوع، ولكن هذا الإستغراب يتضاءل حين نعرف أن مفهوم التدوين الإلكتروني يقوم على قيمة نقدية مفادها أنه نقيض الطول، ونقيض الإستفاضة والإستطراد، انطلاقا من قيمة نقدية رصينة، هي أن الكاتب - من أي نوع - لا ينبغي له أن يقول كل شيء أو يقدم كل شيء فثمة حيّز - لا بد منه - لمساهمة القارئ أو المتلقي في الأثر الموضوعي عن طريق التعليق - كما هو الشأن في مواقع المدونات على سبيل المثال.
إن المدونة أو التدوينة الصغيرة التي تدور حول ظاهرة طبيعية أو اجتماعية أو انسانية أو اقتصادية أو فكرية أو تقنية..، مهمتها - حسب هذا المنطق - هي استثارة المعاني كلها.. ومن هنا فإن التدوينة لا تنتهي بقراءتها، بل تبدأ في نفس المتلقي عند الإنتهاء من قراءتها، إنها بذرة ينبغي لها أن تنمو، ولكن في حدود، مهما اتسعت، فهي حدود ترسمها التدوينة الناجحة في استثارة موضوعها.
ومع أن هذه القيمة الفنية النقدية هي فرضية كل أنواع الإبداع الفني لدى كل كاتب على وجه العموم، إلا أن التدوين الإلكتروني هو التعبير الأمثل والأوضح لهذه القيمة، إنه يشرك المتلقي في العملية الإبداعية، وهو يحقق، ضمن ما يحقق، التأثير في المتلقي، فيما هو يستفز فكر كل قارئ، ومن ثم امكانية الرد المباشر والفوري. وهو ما يميز التدوين الإلكتروني عن غيره.

الجمعة، 28 مارس 2008

من خواطر مسافر

قبل أن أهم بترديد آخر دعاء بالسلامة، نازلا من سلم الطائرة وأنا أقوم بأول تحليق لي في حياتي بين الأرض والسماء، لفت انتباهي شخص يكشف من تحت ملابسه عن قنبلة يدوية غير آبه بالنازلين من الطائرة، أسرعت إليه ونظراتي كلها على ما كشف فجأة من تحت جلبابه القصير، انتزعتها منه بكل ما أوتيت من قوة، وعيناي تكاد تذرفان، وشفتاي تتمتمان بدعاء صادق نابع من أعماق القلب، ولم أعر أي اهتمام للتحول الذي طرأ عليه . لأنه كان في نيتي أن أضايقه وألاصقه وأسد عليه طرائقه لأوثقه، لكنه كان أكثر وعيا بالموقف الذي فيه، فدفعني للخلف بشدة وهرب.. وضعت القنبلة اليدوية في حقيبتي واتجهت صوب أول مركز أمني أجده أمامي في أول مدينة أجنبية أزورها في حياتي. واقترب مني شاب يعمل في المطار. وبادرني بالقول : ((حين رأيتك يا سيدي تنحني لتنزع المتفجرة من ذلك الشخص دمعت عيناي لأنني تذكرت قريبا لي توفي في اواخر القرن الماضي بسبب مواجهته لأحد الإنتحاريين، وخفت أن تخطأ في إنتزاعها منه فتقع الكارثة)).
اجبته بوقار ((أعرف أني عرضت نفسي للخطر لكن الغيرة على الآخرين والحفاظ على النفوس المعصومة لا تسمحان للإنسان المسلم أن يفكر في نفسه وينسى اخوانه المسلمين.. انه الإثار يا أخي وهو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة والصبر على المشقة. قال تعالى : <<ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة>> من الآية 9 سورة الحشر. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية اي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم الى ذلك... ويكفيني أن عملي الصغير هذا ذكرك بقريبك المتوفى عسى أن تدعو له بالرحمة والغفران)).
وأضاف الشاب يقول ((يبدو مما أقرأ وأسمع أن كثيرا من مناطق عالمنا الإسلامي يعيش على أحداث الإنفجارات والإغتيالات وقتل النفوس المعصومة بغير حق وباسم الدين)) وعقبت على كلامه : ((ان مسؤولية المسلمين - خاصة أهل الإختصاص منهم عظيمة وخطيرة تجاه الأمة المسلمة بتوعيتها بوجوب التربية الدينية ومعرفة الدين على الطريق الصحيح، وتفسير آيات حرمة قتل النفس المعصومة، واذكرك هنا ببعض هذه الآيات القرآنية الكريمة :
يقول تعالى : <<ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا>> الآية 33/ سورة الإسراء.
ويقول عز وجل : <<ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما>> الآية 93/ سورة النساء.
ويقول أيضا في محكم كتابه : <<... ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا>> من الآية 29 والآية 30/ سورة النساء.
إذن فمسؤولية أهل الإختصاص من العلماء والفقهاء غنية عظيمة ولا مفر منها تجاه الأقطار المسلمة وما أكثرها لإنقاد المسلمين من تشويه صورتهم وصورة الإسلام ومن هؤلاء المتوحشين الذين يقتلون الناس بلا سبب وبدم بارد وباسم الإسلام والإسلام منهم بريئ..
فالأرواح عندهم رخيصة، لأنهم مجرمين مهما قالوا ومهما ادعوا أنهم يجاهدون.. الإسلام أبداً لا يقبل قتل الأنفس المحرمة.. أو ارهابها وتهديدها.
وعلى المسلم أن لا يعبأ بهم لأن ميزانه الوحيد لقياس الأمور هو تقوى الله تعالى والعمل بما في كتابه وسنة نبيه.. وليس الإنخداع بما يردده هؤلاء القوم الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم حتى صارت كالحجارة أو أشد حسب اللفظ القرآني.. نعم وليس الإنخداع بأنك بهذا العمل - الذي لا يقره الله ولا رسوله ولا الفطرة الإنسانية - ستعلو مرتبتك في الدار الأخرى وستتزوج الحور العين، فهذا خداع النفس الأمارة بالسوء)).
وأضاف الشاب : ((بسبب طول اقامتي في ديار الغرب أصبح من الصعب علي أن أتذكر عالما مسلما أو فقيها.. وأجدني اضطر أن اورد كلام الفيلسوف الغربي هو كارل ياسرزان حيث يقول : الإنسان في حالة غياب مبدأ أو عقيدة يعتنقها يجد نفسه تائها ضائعا وغيرها من حالات الوجود الحادة)).
وأدركت موقف الشاب الحرج وهو عاجز عن الإستشهاد بأقول وحكم مستوحاة من عقيدته الإسلامية، وأردت أن أخفف من حدة الحرج، فقلت : ((كلام الفيلسوف صحيح.. وتذكر يا أخي أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أوصانا بأن نتحرى الحكمة أينما كانت.. ولكن نبدأ بالحكمة العظيمة الموجودة كنوزها في القرآن والسنة)).
اننا في الحقيقة بحاجة الى تنقية موارد مصادر ثقافتنا وفكرنا التي اختلطت اختلاطا مروعا يهدد بتصدع وتحول عظيم في الصميم حتى نحصل على فكر وثقافة صالحة لتغدية نمونا الطبيعي كيلا نتعرض لخطر التحول عن فطرتنا.
فالإسلام لم يعتمد في نشر عقيدته على حرب أو اكراه.. وكيف يكون ذلك والمولى عز وجل يقول في محكم كتابه : <<ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن>> الآية 125/ سورة النحل. ولم تقل الآية اقتلهم وفجرهم !.
<<لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي>> من الآية 256/ سورة البقرة.
<<إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم>> الآيتان 27 و 28/ سورة التكوير.
فالسلام هو الأصل في دعوة الإسلام والحرب استثناء لا يلجأ اليها الا عند الضرورة القصوى ولا تكون أبداً نية التوسع والإستعمار بل للدفاع عن النفس. <<وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين>> الآية 190/ سورة البقرة.
والمسلم ملزم في حروبه بالتسامح والتقوى والعدل ومنع الإعتداء والجور والظلم وقتل الأبرياء حتى تتحقق حرية الفكرة والعقيدة فيقبل الناس على رسالة السماء.
وأطرق الشاب خجلا وقال : ((انت محق يا أخي.. وسأشمر على ساعد الجد لأدرس حقائق ديني الخالدة، وأنا آسف لقصر الوقت، لأنني سأنصرف حالا للعمل)).
وهممت بالإنصراف بعد أن دعوت للشاب بالفلاح والتوفيق في الدنيا والآخرة، وتلقيت منه ارشادات للتنقل الى مركز الأمن، ثم الى حيث تقطن أسرتي المهاجرة.